أبي نعيم الأصبهاني

85

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء

فرقة أخرى : زهد المحب في الجنة دون الدنيا ، حذرا من أن يقول له حبيبه : يا محب أي شيء تركت لي ؟ فيقول : تركت لك الدنيا . فيقول : وما قدر الدنيا ؟ فيقول : يا رب قدرها جناح بعوضة . فيلحقه من الحياء من اللّه أن يقول له : تركت لك ما قدره جناح بعوضة ، ولكن تعلم يا رب أنى لم أعبدك الا بثواب الجنة فقط لا أريد منك غير ذلك . وما الجنة مع ذكرك . فزهد المحب الصادق في الدنيا هو الزهد في الاخوان الذين يشغلون عن اللّه ، فقد زهد فيهم لعلمه بما يلحقه من الآفات عند مشاهدتهم ، فزهده فيهم على علم بهم . * أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان بن محمد - قبل أن لقيته - ثنا أبو العباس بن مسروق قال سمعت الحارث بن أسد يقول : من عدم الفهم عن اللّه فيما وعظ لم يحسن أن يستجلب وعظ حكيم ، ومن خرج من سلطان الخوف إلى عزة الأمن اتسعت به الخطا إلى مواطن الهلكة ، فكشفت عنه ستر العدالة ، وفضحته شواهد العزة ، فلا يرى جميلا يرغب فيه ، ولا قبيحا يأنف عنه ، فتبسط نفسه إلى رى الشهوات ، ولا تميل إلى لذيذ الراحات ، فيستولى عليه الهوى فينقص قدره عند سيده ، ويشين إيمانه ويضعف يقينه . * أخبرنا محمد بن أحمد وحدثني عنه عثمان ثنا أبو العباس بن مسروق قال : سئل الحارث بن أسد عن الزهد في الدنيا قال : هو عندي العزوف عن الدنيا ولذاذتها وشهواتها : فتنصرف النفس ويتعزز الهم ، وانصراف النفس ميلها إلى ما دعا اللّه إليها بنسيان ما وقع به من طباعها ، واعتزازا لهم الانقطاع إلى خدمة المولى ، يضن بنفسه عن خدمة الدنيا مستحيا من اللّه أن يراه خادما لغيره ، فانقطع إلى خدمة سيده ، وتعزز بملك ربه ، فترحل الدنيا عن قلبه ، ويعلم أن في خدمة اللّه شغلا عن خدمة غيره ، فيلبسه اللّه رداء عمله ، ويعتقه من عبوديتها ، واعتز أن يكون خادما للدنيا لعزة العزيز الذي أعزه بالاعتزاز عنها ، فصار غنيا من غير مال ، وعزيزا من غير عشيرة ، ودرت ينابيع الحكمة من قلبه ، ونفدت بصيرته ، وسمت همته ، ووصل بالوهم إلى منتهى أمنيته ، فترقى وارتفع ووصل إلى روح الفرج من هموم الأطماع ، وعذاب